مــنـهـــج المــقــارنة
تعريف : إنّ لكلمة المقارنة تعني لغويّا المقايسة
بين ظاهرتين أو أكثر بهدف تقرير أوجه الشبه و الاختلاف فيما بينها .أمّا اصطلاحيا فالمقارنة هي أحد
الأساليب المنطقية الأساسية لمعرفة الواقع الموضوعي . وينبغي تمييز المقارنة لمنهج
منطقي عن التحليل المقارن الذي هو أحد المناهج الفرعية المستخدمة في البحث العلمي
و هو أسلوب للتعميم النظري و يعتبر منهجا جزئيا عند تطبيقه على ميدان محدد في
العلوم مثل التحليل الاقتصادي المقارن و القانون المقارن أو التشريع المقارن .
تبدأ معرفة
أي موضوع بتميزه عن الموضوعات الأخرى و بتجديد أوجه الشبه و الاختلاف بينه و بين
الموضوعات الأخرى و التي هي من طراز واحد و يمكن القول بأنّ عملية المعرفة في جانب
مهم من جوانبها هي عملية يقع فيها التشابه و الاختلاف في وحدة وثيقة مثال نحن نعرف
ماذا يعني إلقاءا مقارنة بالأخلاق و ذلك على أساس تبيان أوجه الشبه و الاختلاف
فيما بينهما .
إنّ مغزى
المنهج المقارن يصبح أكثر و وضوحا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المقارنة تستخدم من
قبل النّاس في جميع أوجه نشاط النّاس .
أنواع المقارنة : تنقسم المقارنة إلى
نوعين :
1 ـ مقارنة إعتياديّة : و هي مقايسة بين ظاهرتين
أو أكثر من جنس واحد تكون كقاعدة أوجه الشبه بينهما أكثر من أوجه الإختلاف ، و
غالبا ما تكون أوجه الشبه تدور حول الظاهرتين
المقارنتين . أمّا الإختلاف فغالبا ما يدور حول شكل الظاهرتين المقارنتين :
مثل مقارنة الأنظمة السياسية البرجوازيّة
بعضها بالبعض الآخر.
2 ـ مقارنة مغايرة : و هي مقارنة بين ظاهرتين أو أكثر من جنس واحد تكون
أوجه التشابه بينهما أقل من أوجه
الإختلاف ، فغالبا ما نمس جوهر الظاهرتين المقارنتين مثال :
مقارنة النظام السياسي USA بالنظام السياسي URSS مثل هذه
المقارنة تعتبر مقارنة مغايرة و أنّ التشابه بينهما يمس الإختلاف الجوهر .
قواعد وشروط : إنّ الحصول على
إستنتاجات صحيحة بإستخدام منهج المقارنة
يشترط الإلتزام بعدد من الضوابط و القواعد أهمها :
1 ـ أن تقارن يعني أن تتبع فقط أثر المفاهيم من الخط
الواحد أي ليس تعكس موضوعات و ظواهر و أشياء من صنف واحد للواقع الموضوعي و لا
يجوز مطلقا مقارنة ما يقارن مثلا : مقارنة حركة
الميكانيكة مع حركة الأحياء ، أو القانون مع الحجر .
إنّ طرق هذه القاعدة للمقارنة في المحاجية أو البحث
العلمي يؤدي إلى نتائج غير دقيقة و بالتالي خاطئة .
2 ـ أن تقارن يعني أن تلاحظ أو تجد شيئا مشتركا بين
الظواهر و الموضوعات المقارنة إنّ المنهج المقارن يستلزم هذا الشيء المشترك بين
الموضوعات المقارنة و هذا الشيء ممكن أن يكون علامة أو خاصية أو رابطة ما .
إنّ طرق هذه القاعدة ينفي المقارنة و يشوش الفكر ،
ولكن ينبغي ملاحظة أنّ هذه القاعدة تبدوا
واضحة أكثر بالنسبة للمقارنة الإعتيّادية .
أمّا المقارنة المغايرة فتستلزم أن تلاحظ أن تفتش عن
الشيء المختلف جوهريا بين الموضوعات المقارنة .
3 ـ أن تقارن يعني أن تقارن و تميز الموضوعات بتلك
العلائم التي تنطوي على مغزى جوهر هام مثلا عن مقارنة القوانين يجب التركيز على
جوهرها أولا ثمّ أشكالها ثانيا .
4 ـ أن تقارن يعني أن
تعتمد دائما المبدأ التاريخي فلا يجوز مثلا مقارنة USA المعاصرة مع دولة الفراعنة على الرغم من أنهما معا يشكلان ظاهرة
واحدة و هي ظاهرة الدولة .
5 ـ أن تقارن ينبغي أن تحدد غرض المقارنة أي ما الذي
تستهدفه من المقارنة و إلى ماذا تريد أن تصل مثال : تقارن نظرية معينة أو لغرض
تفضيل نظام على آخر أو لغرض توحيد القانون عن نطاق إقليمي مثلا .
6 ـ أن تقارن
ينبغي أن تستخدم مقولات و مصطلحات الموضوع بطريقة سلمية و توظيفها صحيحا . ففي
إطار القانون مثلا : لا تستطيع أن تبحث مما لم تعرف بصورة دقيقة مصطلحات و مقولات القانون مثلا : نظام القانون فرع
القانون مؤسسة - الأهلية - الإلتزامات.
7 ـ عندما نقارن
يجب أن تكون معلوماتنا حول موضوعات المقارنة واسعة و عميقة . مثال : لايستطيع
الباحث أن يقارن بين النظام القانون
أنجلوسكسوني و نظام القانون الجرماني
الإيطالي دون أن يكون قد درس دراسة شاملة و إطلع بصورة عميقة و هكذا بالنسبة للنظم و الموضوعات
الأخرى .
دور المقارنة في عملية المعرفة و البحث العلمي :
إنّ المعرفة
و إقامة البرهان و تقرير المفاهيم تعتمد إعتمادا كبيرا على المقارنة و لمّا
كانت عملية المعرفة أي معرفة الإنسان
فإنّ المقارنة لعبت إذن دورا هاما بغض النظر عن أنّ الإنسان أدرك ذلك بوعي ، ولم
يدركه كما هو الأمر مثلا بالنسبة
للإكتشاف الإنسان للهواء دون أن يعرف شيئا عن تركيبه الكميائي الذي عرف في
وقت لاحق.
* للطبيعة و المجتمع جرت معا في الوقت الذي ظهر فيه
الإنسان .
كذلك المقارنة كانت معروفة منذ القدم و لكنها فقدت
أهميتها في القرون الوسطى و لم تبعث من جديد في أوربا إلاّ في القرن 18-19 و ذلك
باللإرتباط مع تقدم العلوم و منها علم المناهج علما بأنّ البحث العلمي و عملية
المعرفة هي من عمليات المقارنة أي المقارنة تساعد البحث العلمي و كثيرا ما يقتصر
البحث على تبيان أوجه الشبه و الإختلاف بين الظواهر المدروسة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق